محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقال آخرون : معنى ذلك : وروح من الله خلقها فصورها ، ثم أرسلها إلى مريم ، فدخلت في فيها ، فصيرها الله تعالى روح عيسى عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ، قال : أخبرني أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال : أخذهم فجعلهم أرواحا ، ثم صورهم ، ثم استنطقهم ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق ، فأرسل ذلك الروح إلى مريم ، فدخل في فيها فحملت والذي خاطبها ، وهو روح عيسى عليه السلام . وقال آخرون : معنى الروح ههنا : جبريل عليه السلام . قالوا : ومعنى الكلام : وكلمته ألقاها إلى ثم من جبريل عليه السلام . ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب . القول في تأويل قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم . يعني بقوله جل ثناؤه : فآمنوا بالله ورسله فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله وربوبيته ، وأنه لا ولد له ، وصدقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله ، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له ، ولا صاحبة له ، ولا ولد له . ولا تقولوا ثلاثة يعني : ولا تقولوا الأرباب ثلاثة . ورفعت الثلاثة بمحذوف دل عليه الظاهر ، وهو هم . ومعنى الكلام : ولا تقولوا هم ثلاثة . وإنما جاز ذلك لان القول حكاية ، والعرب تفعل ذلك في الحكاية ، ومنه قول الله : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم . ثم قال لهم جل ثناؤه متوعدا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله : انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزور والشك بالله ، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قيله ، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قيلكم ذلك ، إن أقمتم عليه ولم تنيبوا إلى الحق الذي أمرتكم بالإنابة إليه والآجل في معادكم .